سلسلةُ المَوتِ ومَا بَعدَه
أَيْنَ يَقَعُ المَكَانُ الذِي تَقُوْمُ عَلَيْهِ القِيَامَة

أَيْنَ يَقَعُ المَكَانُ الذِي تَقُوْمُ عَلَيْهِ القِيَامَة
قال تعالى(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)
فلو قلنا بأن القيامة سوف تحصل في السماء المعلومة، فإن السماء هذه سوف تتبدل وتتغير، ولو قلنا بأن ذلك سوف يحصل على الأرض فإن الأرض سوف تتغير أيضاً وتصبح خلقاً آخر لا يطلق عليه إسم الأرض، فقد يقول بعضهم بأن القيامة سوف تحصل على الأرض لأن الله سوف يخرج الموتى من الأجداث(القبور) وهي موجودة في هذه الأرض، وفيه قال تعالى(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) وفي سورة القمر(خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) وأمام هذا الطرح نقول: لا مانع من خروجهم من القبور وانتقالهم بلمح البصر إلى المكان الذي هيأه الله لإجراء المحاسبة عليه، ربما ينقل الله القبور إلى ذلك المكان وربما يخرجهم من نفس القبور التي دفنوا فيها ومن نفس الموضع والمنطقة، بمعنى أنه بمجرد أن يُنفخ في الصور تخرج الأجساد بأرواحها إلى مكان الحساب، أما التدقيق في عملية النقل فهذا من خصوصيات الله عز وجل.
وقد أشير في الأحاديث إلى شكل الأرض التي يقام عليها الحساب، وأنها أرض بيضاء لا يعرف أولها من آخرها ولا يوجد عليها ما يميز به بين موضع وآخر.
يحتمل أن يحصل هذا الأمر في إحدى طبقات السماء أو في مكان يوجده الله بقدرته لا علاقة له بهذا الكون الذي نحن فيه، كل هذه المسائل ينبغي أن نردها إلى الله عز وجل فهو العالم بها.
ولكي يكون إيمان الإنسان مثمراً يجب أن يكون تاماً، ولا يتم الإيمان إلا إذا أحاط المرء بكل ما يجب الإيمان به، بدءاً من وجود واجب الوجود ووحدانيته ووصولاً إلى آخر مرحلة من مراحل الإيمان وهي الجنة أو النار، فلقد بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وسددهم بالآيات التي لا تنكر والمعجزات التي لا تُكذّب حتى يثبتوا للناس وجود يوم القيامة، وكان كلما أتاهم نبي واخبرهم عن النشأة الثانية عند يوم الحساب استعظموا الأمر بعد أن أنكروه، إذ كيف يمكن أن نحيا مرة أخرى بعد أن نصبح عظاماً ورفاتاً، وأمام هذه الإنكارات لم يكن أمام الأنبياء سوى أن يثبتوا لهم ذلك، وقد تحدث القرآن عن الأمر بحيث لم يُبقِ للناس مكاناً للشك، وقد أثبت لنا ذلك عبر المعجزات التي أجراها على أيدي أنبيائه، فلقد أحيى الموتى على أيديهم ليكون ذلك آية للناس وعلامة على قدرته المطلقة، وأحيا دابة العزير بعد مئة عام من موتها، وأحياه بعد تلك المدة أيضاً، وقد علم جميع الناس بتلك الآية، وقد رأى العزير كيف ينشأ الله العظام ثم يكسوها باللحم ثم يبعث إليها الحياة، والأدلة على النشأة الأخرى كثيرة:
منها قوله تعالى في سورة النجم(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى)
ومنها قولهفي سورة الواقعة(أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ)
ومنها قوله في سورة الروم(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
ومنها قولهفي سورة الإسراء(وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)
وبعد هذه الآيات والدلائل مع ما نرى من آثار القدرة لا يبقى مجال للشك في مسألة البعث الذي باتت واضحة للجميع.
لقد حدثنا الكتاب المجيد عن يوم البعث والنشور والحساب في العديد من السور الكريمة، ونحن هنا سوف نقف على بعض تلك الآيات من باب الزيادة في الفائدة، وذلك على قاعدة ما لا يدرك كله، لأن القرآن الكريم استوقفنا كثيراً على تلك الأحداث لكونها الهدف الأسمى من وجود الإنسان في الحياة الدنيا.
ففي سورة الزلزلة يحدثنا القرآن عن بعض علامات يوم القيامة وبعض أحداثه وما يجري على الناس هناك فيقول سبحانه(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) وكلنا يعرف بأن الزلازل التي ضربت الأرض منذ وجودها والتي يمكن أن تضربها بين الحين والآخر كثيرة جداً فهي تعد بالآلاف، ونجد هذه السورة المباركة تحدثنا عن زلزال الأرض على نحو التخصيص، فإذا كانت الأرض معرضة للزلازل بين الفترة والفترة فما معنى هذا الزلزال المشار إليه هنا؟ معناه الزلزال الأخير الذي تدمر فيه الأرض وتختل الحياة عليها فلا يبقى من سكانه أحد على الإطلاق، والدليل على كونه زلزال الآخرة هو أن الزلازل التي حصلت وسوف تحصل تبتلع ما ينهدم ويقع وتخفيه في باطنها، أما الزلزال الأخير فهو يخرج ما دفن في الأرض منذ وجودها، والأثقال هي كل شيء دفن فيها وأهمها وأولها الإنسان الذي يستيقظ بعد موته ويخرج من قبره للحساب فيتفاجأ ويتساءل ماذا حصل وماذا جرى وما هذا وما ذاك؟ فيأتيه الجواب بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا، أي هو الذي أمرها بذلك من أجل يوم القيامة.
ففي ذلك الوقت يخرج الناس من الأجداث كالجراد المنتشر والفراش المبثوث خائفين مرعوبين متحيرين لا يعرفون شيئاً عما سوف يحدث لهم، (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) وهذا هو الخبر الأساس في ذلك الموقف الرهيب والمشهد العظيم حيث يقف الناس بين يدي الله تعالى ليريهم أعمالهم، بمعنى ليحاسبهم على ما صنعوا في دار الإمتحان فإن كانوا مؤمنين مطيعين محسنين كانوا من أهل الفوز والنعيم، وإن كانوا كافرين أو ظالمين أو من أهل الشر فسوف ينالون الجزاء المناسب في ذلك اليوم يوم العدل الأكبر الذي لا يُظلم فيه أحد من الخلق.
الشيخ علي فقيه


